Date : 16,10,2019, Time : 12:33:27 PM
3073 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الأربعاء 07 ذو القعدة 1440هـ - 10 يوليو 2019م 01:24 ص

السودان ومغامرات العسكر

السودان ومغامرات العسكر
خيرالله خيرالله

لا يستطيع العسكر تسيير البلد على طريقة البشير، ولا يستطيع المدنيون وحدهم تولي شؤون السودان. ما حصل كان تسوية معقولة بعيدا عن التهوّر، علما أن ما ينقص السودان حاليا هو ظهور قيادة مدنية مسؤولة تستطيع بلورة مشروع سياسي للمستقبل.

وضع المجلس العسكري في السودان بالاتفاق مع ممثلي الحراك الشعبي الأسس لمرحلة جديدة يمكن للبلد أن ينتقل إليها في حال سارت الأمور حسب الخطة المرسومة. هذا يعني انتقال السودان، في غضون ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، إلى مرحلة يكون فيها نظام عصري يقوم على التداول السلمي للسلطة في ظلّ دولة مدنية. يستأهل السودان أن يستقرّ أخيرا على نظام سياسي قابل للحياة يسمح باستغلال الثروات الطبيعية للبلد في ظلّ دولة القانون، بدل دولة العسكر أو الميليشيات الإسلامية أو الأحزاب الانتهازية الفاسدة المتنافسة في ما بينها على فتات السلطة.

لحسن الحظّ، تنازل العسكر وتنازل الناس العاديون الذين انتفضوا على عمر حسن البشير وأسقطوا نظامه غير المأسوف عليه، وهو نظام قام على ضابط متخلّف في كلّ المجالات. كان متخلّفا خصوصا في مجال بناء مؤسسات لدولة قادرة على أن تكون في خدمة مواطنيها. كان البشير على استعداد لكلّ شيء من أجل البقاء في السلطة. كان البشير مستعدا حتّى لارتكاب جريمة تقسيم السودان، بدل العمل على لم الشمل بين المسيحيين والمسلمين وأبناء الطوائف الأخرى في ظل سودان موحّد يتساوى فيه مواطنوه في الحقوق والواجبات.

كان ضروريا التوصل إلى تسوية لعلّ السودان يكون استثناء بين الدول العربية التي عصف بها “الربيع العربي” الذي لم يكن في واقع الحال سوى خريف… هذا إذا استثنينا التجربة المصرية التي كانت، بحسناتها وسيئاتها، عملية إنقاذ للدولة العربية الأكبر من السقوط في فخّ الإخوان المسلمين وتخلّفهم في ظلّ الشعارات المزيّفة التي يرفعونها عن الديمقراطية.

تبيّن في السودان أنّه لا يزال هناك مجال للغة العقل والمنطق في بلد جاءه “الربيع العربي” متأخّرا. استطاع الجيش وممثلو القوى الشعبية في نهاية المطاف الخروج من كسر الحلقة المقفلة التي دخلها السودان مع إدخال البشير إلى السجن تمهيدا لمحاكمته. هذا لا يعني أن الطريق صارت معبّدة أمام التغيير الكبير في بلد لا يزال يحتاج إلى الكثير من أجل استعادة الأمل في مستقبل أفضل لكل أبنائه.

لا يزال المأزق السوداني قائما على الرغم من كلّ ما تحقّق في الأيام القليلة الماضية بفضل الوساطة الإثيوبية التي تولاها رئيس الوزراء، آبي أحمد، شخصيا والتي أظهر من خلالها أنّه سياسي مثير للاهتمام، خصوصا بعد نجاحه في القيام بإصلاحات كبيرة وضعت إثيوبيا على طريق النمو السريع.

قام السودان بخطوة كبيرة في اتجاه الخروج من الوضع الذي وجد نفسه فيه. كان لا بدّ من تجاوز الحراك الشعبي لعقدة العسكر، كما كان لا بدّ للعسكر من استيعاب أنّ لا مستقبل لهم إذا كان طموحهم سيظلّ محصورا في ممارسة السلطة على طريقة إبراهيم عبّود أو جعفر نميري أو عمر حسن البشير. ليس لدى العسكر في هذا العالم، إلا إذا استثنينا قليلين جدّا منهم، أيّ مشروع سياسي أو اقتصادي أو حضاري قابل للحياة. هذا ما أثبتته تجارب السنوات الطويلة التي حكموا فيها السودان.

على الرغم من المجزرة التي وقعت يوم الثالث من حزيران – يونيو الماضي أمام مقرّ القيادة العامة للقوات المسلّحة في الخرطوم حيث نكّل جنود بالمدنيين، لا تزال هناك فرصة أمام كبار الضباط الذين قلبوا عمر حسن البشير لإثبات أنّهم مختلفون عنه. لكنّ السؤال الذي سيطرح نفسه عاجلا أم آجلا هل هناك قيادات مدنية للحراك الشعبي تستطيع لعب دور إيجابي خلال المرحلة الانتقالية من خلال “المجلس السيادي” الذي سيضم عسكريين ومدنيين، والذي سيتولى ضابط رئاسته في الأشهر الـ18 الأولى؟

لم يكن “الربيع العربي”، بدءا بسوريا التي تآمر العالم على شعبها من أجل المحافظة على نظام مهمّته حماية إسرائيل، سوى سلسلة من الكوارث. وقعت كارثة في تونس التي يترحّم فيها المواطن العادي على زين العابدين بن علي. وقعت كارثة أخرى في ليبيا التي ليس معروفا هل ستقوم لها قيامة في يوم من الأيّام. تدفع ليبيا الآن كلّ الفواتير المترتبة على ارتكابات معمّر القذّافي ومشاريعه الفاشلة التي لم تكن سوى كوابيس رجل مريض. أمّا اليمن، فقد تشظّى شرّ تشظّ. لم يبق منه سوى تلك الإمارة الإسلامية على الطريقة الطالبانية التي أقامها الحوثيون في الشمال. لا تشبه تلك الإمارة التي تتحكّم بها إيران، والتي تحولت إلى قاعدة إطلاق صواريخ وطائرات من دون طيّار تستهدف المملكة العربية السعودية، سوى إمارة “حماس” في قطاع غزّة. بات كلّ كلام عن وحدة اليمن من النوع الذي لا معنى له. كذلك الكلام عن عودة إلى صيغة الشطرين الشمالي والجنوب. لا الشمال الحالي يشبه الشمال أيّام الجمهورية العربية اليمنية… ولا الجنوب يشبه ما كان يسمّى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي كان تاريخها سلسلة من الحروب الداخلية، توّجت بانهيار كامل لنظام ارتبط ارتباطا مصيريا بمرحلة الحرب الباردة.

هناك تجارب فاشلة عدّة يستطيع السودانيون، كعسكر ومدنيين، التعلّم منها وتفادي السقوط في سلبياتها. أي طريق سيختارون؟

إلى الآن، ساروا في طريق التعقل والمنطق. لا يستطيع العسكر تسيير البلد على طريقة البشير، ولا يستطيع المدنيون وحدهم تولّي شؤون السودان. ما حصل كان تسوية معقولة بعيدا عن التهوّر، علما أن ما ينقص السودان حاليا هو ظهور قيادة مدنية مسؤولة تستطيع بلورة مشروع سياسي للمستقبل. مؤسف أنّه لم تبرز إلى الآن شخصية واحدة قادرة على أن تكون في الواجهة ومخاطبة السودانيين بطريقة توحي لهم بأنّ البلد سيكون في أياد أمينة. والكلام هنا عن شخصية تشبه شخصية رئيس الوزراء الإثيوبي الحالي الذي استطاع خلال فترة قصيرة تحويل البلد إلى جاذب للاستثمارات الأجنبية، وجعل نسبة النموّ فيه بين الأعلى في أفريقيا. اعتمد كلّ ذلك على شخصية آبي أحمد ومعرفته في كيفية جعل إثيوبيا على تماس مع كلّ ما هو حضاري في هذا العالم.

سيعتمد الكثير على استمرار العمل بلغة العقل والمنطق، بعيدا عن مغامرات العسكريين وعبث السياسيين الذين سهّلوا مرارا استيلاء ضابط مجنون، من نوع جعفر نميري أو عمر حسن البشير، على السلطة والبقاء فيها طويلا.

في تاريخ السودان الحديث عدد لا بأس به من السياسيين المتميّزين الذين برزوا على الصعيدين الداخلي والعربي. كان هؤلاء مختلفين جذريا في كلّ شيء عن كلّ ما كان يمثّله النميري والبشير. هل من مجال لظهور شخصية في مستوى إسماعيل الأزهري أو أحمد محمّد محجوب على سبيل المثال وليس الحصر… أم أنّ السنوات الثلاثين التي قضاها عمر حسن البشير في السلطة كانت كفيلة بالقضاء على أي أمل في قيام جيل من المثقفين يمكن أن يخرج منه سياسي مختلف لديه رؤية مستقبلية؟

العرب اللندية 




مواضيع ساخنة اخرى

مصدر : الأميركيون يجلون نسوة داعش عن مخيم الهول إلى الشدادي
مصدر : الأميركيون يجلون نسوة داعش عن مخيم الهول إلى الشدادي
احتفاء عربي برئاسة تونس.. وقيس يغرد عن الربيع العربي
احتفاء عربي برئاسة تونس.. وقيس يغرد عن الربيع العربي
تركيا تعلن حصيلة قتلى القوات الكردية خلال عمليتها العسكرية "نبع السلام" في سوريا
تركيا تعلن حصيلة قتلى القوات الكردية خلال عمليتها العسكرية "نبع السلام" في سوريا
فرنسا تدرس سحب قواتها من التحالف الدولي بعد قرار واشنطن بالانسحاب من شمال سوريا
فرنسا تدرس سحب قواتها من التحالف الدولي بعد قرار واشنطن بالانسحاب من شمال سوريا
بالفيديو : سعيد يؤكد مناصرة فلسطين وهتاف لتحريرها باحتفال فوزه
بالفيديو : سعيد يؤكد مناصرة فلسطين وهتاف لتحريرها باحتفال فوزه
مسؤول أمريكي: قواتنا تلقت أوامر بمغادرة سوريا
مسؤول أمريكي: قواتنا تلقت أوامر بمغادرة سوريا
ترامب يهاجم طليب مجددا ويصفها بـ"الحقيرة"
ترامب يهاجم طليب مجددا ويصفها بـ"الحقيرة"
الدفاع التركية تبث فيديو لتدمير مخزن سلاح لـ"قسد" (شاهد)
الدفاع التركية تبث فيديو لتدمير مخزن سلاح لـ"قسد" (شاهد)
صور لناقلة إيران "المكسورة".. واقتراب من سفينة مشبوهة
صور لناقلة إيران "المكسورة".. واقتراب من سفينة مشبوهة
أنقرة تدين توصيف زعيم شمال قبرص "نبع السلام" بـ"نبع الدماء"
أنقرة تدين توصيف زعيم شمال قبرص "نبع السلام" بـ"نبع الدماء"
ترامب يقرر صرف 50 مليون دولار لتحقيق الاستقرار في سوريا
ترامب يقرر صرف 50 مليون دولار لتحقيق الاستقرار في سوريا
الخارجية التركية: سنرد على أي عقوبات أمريكية
الخارجية التركية: سنرد على أي عقوبات أمريكية
ترمب: لم أتطرق لـ"فساد بايدن" مع المسؤولين الصينيين
ترمب: لم أتطرق لـ"فساد بايدن" مع المسؤولين الصينيين
أنقرة: ضرب القوات الأميركية والتحالف بسوريا غير وارد
أنقرة: ضرب القوات الأميركية والتحالف بسوريا غير وارد
السودان يمدد حالة الطوارئ لثلاثة أشهر
السودان يمدد حالة الطوارئ لثلاثة أشهر
"بلومبرغ": ترامب استغل نفوذه لإسقاط اتهامات جنائية عن تاجر ذهب إيراني-تركي
"بلومبرغ": ترامب استغل نفوذه لإسقاط اتهامات جنائية عن تاجر ذهب إيراني-تركي
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

أمير الكويت يعود إلى البلاد بعد رحلة علاجية


اقرأ المزيد