Date : 19,09,2020, Time : 04:05:32 PM
6035 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الثلاثاء 27 محرم 1442هـ - 15 سبتمبر 2020م 01:16 ص

المرفأ والكارثة المستمرة وحق الناس في «التفرّج» على مأساتها

المرفأ والكارثة المستمرة وحق الناس في «التفرّج» على مأساتها
وسام سعادة

ما كاد يمرّ شهرٌ ونيّف على كابوس 4 آب/ أغسطس المتمثل بانفجار ما يعادل سلاح دمار شامل في مرفأ بيروت، حتى اسودت سماء العاصمة مجدداً في 10 أيلول/سبتمبر، بالحريق السام الهائل الذي أتى على أطلال المرفأ نفسه، كما لو أنها ـ بل هي على أكثر من وجه كذلك ـ مكثّفُ حرب إخضاع متواصلة ومتعددة المستويات. ثم تجدد الحريق نفسه في الأيام التالية ليتبعثر معه الوهم حول «احتفاظ» المرفأ بقدرته التشغيلية بعد يوم تدميره.
قبل الانفجار الكبير وبعده الحريق الهائل، كان المرفأ جزءاً من معضلة تتعلق بتبيان سيادة الدولة من عدمها على المرافئ والمعابر الحدودية، ذلك التبيان الذي عدّ شرطاً أساسياً لرفع حظوظ موافقة صندوق النقد الدولي على الطلب الحكومي اللبناني المرسل له بداعي المساعدة، في ظل الانهيار المالي المتمادي الذي أشعلته أزمة «شح الدولار» وما تناغم معها أو تراكم من أزمات.
يومها، الأطراف نفسها التي أجازت التقدم بطلب المساعدة هذا، انقبضت من كل حديث يتعلق بمسألة الموانئ والمعابر وهوية القوى التي تتحكم بها، أو راحت تبحث عن تمييع الموضوع أو التنصل منه، مع أنه لا مهرب منه بالنسبة إلى أي مبحث يرمي الى العمل على تخفيف الإنفاق العام ورفع نسبة الايرادات العامة. الآن يتضح أكثر فأكثر أن هذه المعضلة ليست بتفصيل تقني بالمرة، فالوضع بات يتطلب اعادة بناء المرفأ المركزي للبنان يكاد يكون منذ البدء، بالقدر نفسه الذي بات يتطلب التخفف من مركزيته بإعادة تأهيل المرافئ الأخرى، شمالا وجنوبا. إعادة بناء المرفأ باتت ترادف إعادة بناء صلات الوصل بين البلد والخارج، وبالقدر نفسه باتت تترادف مع إعادة بناء الصلات في الداخل اللبناني نفسه. وحتى الساعة، تستبد المكابرة بهذين الصعيدين، بالتوازي وبالتشابك.
عرف البلد، ما بين كارثة انفجار المرفأ، ومعه تدمير أحياء كاملة من شرق العاصمة، وبين كارثة اندلاع الحرائق السامة، زيارتين للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وما اصطلح على تسميته «المبادرة الفرنسية» التي يشكل الاسراع في تشكيل حكومة جديدة يمكن ان تكون باريس عرابتها، محكا أساسيا لها. وفرنسا، في هذا، تتابع ما انتهجته منذ مطلع هذه الألفية من ممارسة دور الكفيل المالي للبنان ودولته، هذا الدور الذي صارت متابعته أكثر صعوبة مع الوقت، نظرا لتصاعد كلفة» خدمة الدين» والعجز عن تخفيض الإنفاق العام من جهة، وتصاعد كلفة «خدمة السلاح» وعزلة البلد العربية والغربية من جهة ثانية. لكنها، آثرت في هذا الصيف توظيف صفتها ككفيل مالي للنظام اللبناني من أجل الإشراف على مساعي المعالجة السياسية، في الهامش المتروك لها، بين الحملة التي تقودها أمريكا لتصعيد العقوبات على «حزب الله» وحلفائه، وبين الحملة الذي يقودها أصحاب الأمرة في لبنان في مواجهة الديناميات الاحتجاجية التي أظهرتها فئات اتسعت ثم انكمشت، ولو انها لم تندثر، من المجتمع اللبناني منذ الخريف الماضي الى اليوم. بدا ماكرون بحصيلة الزيارتين كما لو انه يستعيد من «مجتمع الناشطين» المنتفضين كلامهم ضد «الطبقة السياسية» انما ليلقيه على مسامع رموز هذه «الطبقة» وكما لو انه يستعيد في نفس الوقت «الواقعية الخبيثة» لرموز هذه «الطبقة» المزعومة، بالضد من مطالب المنتفضين وشعاراتهم التغييرية الجذرية.
واذا كان مصطلح الطبقة السياسية بحد ذاته هو مصطلح تشويهي للاجتماع السياسي ناهيك عن البنى الاجتماعية، ومصطلح يوظف بشكل تطمس فيه الطبقات الاجتماعية، وشكّل الإكثار من استعماله مؤشراً على التبلد الثقافي للنخب المدنجية، التجفيفية للحيوية الشعبية الانتفاضية المتألقة في الخريف الماضي وبدايات الشتاء، فإن ماكرون الذي طرح نفسه عام 2017 في رئاسيات فرنسا كمرشح من خارج «الطبقة السياسية» هو الآخر، بتولي المنصب القائم على رأس هرمها، جاء يطرح نفسه في حال لبنان 2020، على أنه الشخص الوحيد القادر على نهر وتأنيب «الاستبلشمنت» القائم، على مائدته، ومد حبال الإنقاذ لهذا الاستبلشمنت في نفس الوقت. وهذا ما أحبط «مجتمع الناشطين المدنيين». كانوا يتوقعون منه سقفا أعلى لمواقفه.
بالنتيجة، ساهم ماكرون في إظهار مشكلة هؤلاء الناشطين، الذين ما زالوا يكابرون على الواقع، ويتعاملون مع انتفاضة خريف العام الماضي كما لو أنها «ثورة دائمة» تراكم نقاطها جولة إثر جولة.
فما يحرك هؤلاء الناشطون أشبه ما يكون بخلطة تجتمع فيها محاكاة «خرق الاستبلشمنت» على طريقة ماكرون نفسه، في الحال الفرنسية، كشخص تكنوقراطي مثقف قدّم نفسه من خارج الأحزاب التي تتداول في العادة مؤسسة الرئاسة، مع محاكاة حركة التصدي للسستام الذي على رأسه ماكرون، من طرف جماعة السترات الصفر.

أما القوى النظامية، ذات التمثيل البرلماني، وذات الباع في المشاركات والمحاصصات الحكومية، فهي تميل عموماً، وأكثر فأكثر كلما توغلنا في معسكر قوى 8 آذار، الى افقاد المبادرة الفرنسية طابعها الشرطي والجازم، بدءا من التخفف من السقف الزمني الذي حددته هذه المبادرة للاسراع في تشكيل حكومة جديدة، بالإمكان التخاطب غربيا معها، على صعيد تزكية الطلب اللبناني للمساعدة في صندوق النقد وأمام الجهات المانحة، بالنسبة إلى القروض المنظورة في مؤتمر سيدر2018.
ليس سهلا، مع ذلك، التفلت من المبادرة الفرنسية. فهذا معناه الآن انتهاء كل أمل في أي إسعاف مالي من أي نوع للوضع اللبناني الذي تتالت عليه أسباب الانهيار والحرائق، وانتهاء أي أمل في اعادة بناء مرفأ بيروت أيضاً. وليس ميسرا في نفس الوقت توقع تجاوب الأحزاب القابضة على الوضع معها، وكل يوم يمر يظهر على ما يبدو أن مساعي تطويقها الى ازدياد. بما في ذلك تطويقها بتوظيف الخلاف بين حليفي حزب الله، حركة نبيه بري وتيار ميشال عون، فيما يتعلق بتثبيت وزارة المالية للطائفة الشيعية، واعتباره عرفا مكرسا، أو مداورتها بين الطوائف.
بين صعوبة التفلت من هذه المبادرة الفرنسية، وصعوبة الاستجابة لها، وارتفاع مؤشرات التنصل منها أو تعطيل عناصرها، يظهر اكثر، ان الشغل الشاغل لحزب الله وحلف الممانعة في هذه الفترة، هو بكل بساطة، كسب المزيد من الوقت الى حين حصول الانتخابات الأمريكية، وان الأقدام على أي خطوة قبل هذه الانتخابات يبقى بلا طائل. لا يعني هذا ان جو بايدن في حال وصوله سيحيي الاتفاق الاوبامي مع إيران، لكن الرهان هنا على إحباط أخصام إيران في المنطقة الناتج عن خسارة دونالد ترامب، او حتى الرهان على أزمة داخلية أمريكية يمكن ان تحدثها او تؤججها الانتخابات المقبلة.
في مقابل ذلك، يظهر اكثر فاكثر ان ما تريده الإدارة الأمريكية الحالية من لبنان لا يبتعد كثيرا عن المسار الذي انتهجته الإمارات والبحرين. وأبعد حتى من مسمى «الحياد». بدلا من التفكير السابق، بأن المطلوب اولا في حال لبنان حل مشكلة سلاح حزب الله، تجري محاولة أمريكية للقفز الذهني على هذه المشكلة، وربط آليات خنق الحياة الاقتصادية والمالية للبنان ككل بكل ما من شأنه بلوغ هذا المقصد بالذات. وعدم الاكتفاء بترسيم الحدود أو بشعار الحياد الا كتوطئة على هذا الصعيد. في القراءة الأمريكية، كان لبنان جزءا من البلدان الواقعة تحت النفوذ الأمريكي عن كثب وقت انحازت بلدان عربية أخرى للاتحاد السوفياتي اثناء الحرب الباردة، وينبغي ان لا يكون البلد محيدا عن المسار الاجمالي لأسرة الانظمة الموالية لواشنطن في الشرق الأوسط الآن.
لا يريد الأمريكيون الحياد للبنان، بل «انحيازه» الكامل لسياستهم في المنطقة، وعنوانها حاليا الضغط لفرض «صفقة القرن» بكل ما أوتي من أشكال، وترتيب العلاقات مع كل حلفائهم في المنطقة تحسينا بشروط المواجهة الأمريكية، حربا أو مفاوضة، مع إيران.
ولا يشعر أصدقاء إيران في لبنان في المقابل بأنهم عليهم القيام بأي مجهود معنوي او عملي الآن، والى فترة ما بعد الانتخابات الأمريكية، كل ما عليهم فعله هو البقاء حيثما هم، والتفرج.
في هذا الوقت، لا ينظر الناس في بيروت الى انفجار الشهر الفائت، وحريق هذا الشهر، الا كحلقات من مسلسل شرير، من العبث تماما توهم انه انتهى الى هذا الحد. كم الضربات المتتالية أضعف الى أبعد حد الحيوية الشعبية الانتفاضية. لقد تقلصت هذه الحيوية، بعد ان جرى العمل لأشهر طويلة، على فصل النظر اليها عن أحوال المنطقة والعالم، كما لو كانت ثورة دائمة في بلد صغير، منطوية على نفسها، مكتفية ذاتيا بسرديتها، وبعد أن استبد بها خطاب مدنوي لا يرى طبقات اجتماعية، ولا يرى الى الطوائف الا بمنظار أنها أحابيل بضعة من كبار المتحايلين من أمراء الحرب ليس إلا. المفارقة انهم أنفسهم الذين يمجدون الشعب حين ينتفض بشكل يتخطى كل مسافة نقدية حيال حركة الجماهير، ثم يعودون لتأنيب الجماهير على توقفها في منتصف الطريق.
مهما كان محبطا انكماش حركة الناس، واقتصارها اكثر فاكثر على حركة ناشطي المجتمع المدني المحصورة، فإن الشعور الذي تعيشه الناس من كون تفجير المرفأ بمثابة زمان مستدام يكابدونه، وليس يمكن مقاومته بالأساليب التقليدية، بما في ذلك التجمهر في الساحات، هو بحد ذاته شعور أكثر جذرية الآن من كل ما يطرح من محاولات أرادوية للقفز على اللحظة. أن نتفرج على ازدياد أحوالنا بؤسا لا يعني دائما أن نخضع لهذه الأحوال ونستكين. لا يعني أيضا العكس مباشرة. حق الناس في ان تتفرج على ازدياد أحوالها سوءا يعني قبل كل شيء انتزاع حقها في التفكير الحر، وسط كل هذا الصخب المعاد المكرر.

القدس العربي 




مواضيع ساخنة اخرى

  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

قائد الحرس الثوري الإيراني يرد على ترامب: سنستهدف كل من كان له دور باغتيال سليماني


اقرأ المزيد